سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
258
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
« وبعد هذا المجد كله ، ترى بنيانها قد وهي وانتثر المنظوم منها وتفرقت فيها الأهواء وانشقت العصي وتبدد ما كان مجتمعا وانحل ما كان منعقدا وانفصمت عرى التعاون وانقطعت روابط التعاضد وانصرفت عزائم أفرادها عما يحفظ وجودها - ودار كل محيط بشخصه المحدود بنهايات بدنه ، لا يلمح في مناظره بارقة من حقوقها الكلية والجزئية وهو في غيبة عن أن ضروريات حاجاته ومرافق حياته وكمالاته ، لا تنال إلا على أيدي الملتحمين معه بلحمة الأمة وأنه أحوج إلى شد عضدهم من تقوية ساعده وإلى توفير خيرهم من تنمية رزقه وكأنه بهذه الغيبة ، في سبات يخيله الناظر إليه صحوا وذبول يظنه المغرور زهوا وأخذ القنوط بآمال أولئك المدهوشين فأبادها وحدثت لهم قناعة البهم والرضاء بكل ذل . ولئن تنبه خاطر للحق في خيال أحدهم أو استفزه داع من قلبه إلى ما يكسب ملته شرفا أو يعيد إليها مجدا عدّه هوسا وهذيانا ، أصيب به من ضعف في المزاج أو خلل في البنية أو حسب أنه لو أجاب داعي الذمة لعاد عليه بالوبال وأورده موارد الهلكة أو لصار من أقرب الأسباب لزوال نعمته ونكد معيشته وهكذا يحكم لنفسه سلاسل من الجبن وأغلالًا من اليأس ، فتغل يداه عن العمل وتقف قدماه عن السعي ويحس بعد ذلك بغاية العجز عن كل ما فيه خيره وصلاحه ويقصر نظره عن درك ما أتى أسلافه من قبله وتجمد قريحته عن فهم ما قام به أولئك الآباء الذين تركوه خليفة على ما كسبوا وقيما على ما أورثوه لأعقابهم ويبلغ هذا المرض من الأمة حدا يشرف بها على الهلاك ويطرحها على فراش الموت فريسة لكل عاد وطعمة لكل طاعم . نعم رأيت كثيرا من الأمم لم تكن ثم كانت وارتفعت ثم انحطت وقويت ثم ضعفت وعزت ثم ذلت وصحت ثم مرضت . ولكن أليس لكل علة دواء ؟ بلى ! ما أكثر ما قلت ؟ ! وا أسفاه ! نعم وا أسفاه ، ما أصعب الداء وأعز الدواء وما أقل العارفين بطرق العلاج ، كيف يمكن جمع الكلمة بعد افتراقها وهي لم تفترق إلا لأن كلا عكف على شأنه ! ! أستغفر اللَّه لو كان له شأن يعكف عليه لما انفصل عن أخيه وهو أشد أعضائه اتصالا به ولكنه انصرف لشؤون غيره وهو يظنها من شؤون نفسه . نعم ربما التفت كل واحد إلى ما هو في فطرة كل حي من ملاحظة حفظ حياته بمادة غذائه وهو لا يدري من أي وجه يحصلها ولا بأية طريقة يؤمن عليها . كيف تبعث